منوعة

تفكيك الذاكرة وإعادة بنائها في خطاب تشكيلي سعودي

وأنت تتجول في فضاء معرض «ما بين وبين – ما بين الذاكرة والتحول» تتكشف أمامك خمس تجارب تشكيلية سعودية لكل من؛ قصي العوامي، داليا طلال، خلود العمري، حسين حبيل، فاطمة حكمي، اجتمعت في حوار بصري عميق يشتبك مع مفاهيم الذاكرة والهوية والتحول.

المعرض الذي انطلق أول أمس في عروس البحر الأحمر (جدة) بالمركز السعودي للفنون البصرية، بحضور محبي ومتذوقي الفنون البصرية، جاء بوصفه مشهداً دالاً على نضج الحراك التشكيلي السعودي وتنوع مساراته المعاصرة.

تتشكل هذه التجارب الخمس ضمن أفق مفاهيمي مشترك، مع اختلاف واضح في المرجعيات والأساليب. تجارب متقاربة في جمالياتها البصرية ومتباعدة في أطروحاتها الفكرية، جمع بينها الوعي باللون والفرشاة، والاشتغال الثقافي المنضبط، وأخلاقيات الفنان؛ لتقدم نماذج تشكيلية راقية أسهمت في الارتقاء بالحراك الفني البصري السعودي.

تنطلق تجربة قصي العوامي من الذاكرة البصرية للأشياء والعمارة الطينية، إذ يوظف الطبقات اللونية والقصاصات والحرف العربي في بناء لوحات تجريدية تستدعي الماضي دون الوقوع في استعادته المباشرة. أعماله تقوم على إعادة تركيب الأثر لا نسخه، لتنتج خطاباً بصرياً يتعامل مع الذاكرة بوصفها مادة قابلة للتفكيك وإعادة الصياغة. قصي العوامي فنان تشكيلي من الدمام له مسيرة طويلة في المعارض الفردية والجماعية ومشاركات محلية ودولية عززت حضوره في المشهد التشكيلي السعودي.

وتقدم داليا طلال تجربة تنطلق من العلاقة الجسدية والوجدانية مع الخيل، إذ يتحول من موضوع تصويري إلى امتداد نفسي وحركي داخل اللوحة. تعتمد أسلوباً تعبيرياً يختزل الشكل لصالح الإحساس، فتتسم أعمالها بكثافة الحركة والتوتر اللوني في فضاء بصري نابض. داليا طلال فنانة تشكيلية وفارسة من جدة، لها معارض فردية ومشاركات جماعية عكست خصوصية تجربتها.

أما خلود العمري فتشتغل على الذاكرة المكانية بوصفها نصاً بصرياً مفتوحاً، مستلهمة تفاصيل العمارة الشعبية من جدران ونوافذ جنوب المملكة، وبعض حواري جدة القديمة. تعتمد على السطح والملمس والتقشير كعناصر دلالية تحيل إلى الزمن والغياب وتحولات المكان. خلود العمري فنانة تشكيلية سعودية من جدة، تمتلك خلفية في التصميم ومشاركات متعددة في معارض داخل المملكة.

وفي تجربة حسين حبيل يحضر التجريد الرمزي بوصفه أداة للتفكير في التحول ودورات الحياة، إذ تتداخل العناصر والألوان ضمن بناء بصري مفتوح على التأويل. أعماله تنطلق من مفهوم «الفصل الخامس» باعتباره حالة تتجاوز الزمن الخطي وتقترح التحول كفعل مستمر. حسين حبيل فنان تشكيلي سعودي من جزيرة تاروت، عضو في عدد من الجماعات الفنية، وله مشاركات ومعارض محلية ودولية.

وتُختتم التجربة مع فاطمة حكمي التي تشتغل على تفكيك البنية الشكلية للعمل الفني من خلال تكوينات تجريدية تقوم على الحركة والانسياب والتوتر الداخلي. أعمالها المعروضة تقدم رؤية بصرية تعالج ثنائية الانقسام والوحدة، ضمن خطاب بصري معاصر يتجاوز المباشرة السردية. فاطمة حكمي فنانة تشكيلية سعودية، لها حضور في معارض محلية ودولية أسهم في ترسيخ تجربتها ضمن مسار الفن المعاصر.

ويؤكد معرض «ما بين وبين» أن الفن التشكيلي السعودي المعاصر لم يعد معنياً بتوثيق الذاكرة، بقدر ما يسعى إلى تفكيكها وإعادة بنائها، بوصفها مادة نقدية مفتوحة للتأمل وإعادة التفكير في الذات والمكان والتحول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى