أخبار العرب والعالم

توقف العمل بمعاهدة نيو ستارت للتسلح النووي بين روسيا والولايات المتحدة يطلق جرس إنذار دولي

عربي ودولي

0

05 فبراير 2026 , 05:23م

alsharq

معاهدة نيو ستارت للتسلح النووي

الدوحة – قنا

يدخل عالم التسلح مرحلة من الترقب الشديد على وقع مخاوف بالغة الأهمية في ظل انتهاء العمل رسميا بمعاهدة “نيو ستارت” للحد من التسلح النووي بين روسيا والولايات المتحدة، خاصة أن قضية التسلح النووي تشكل هاجسا أمنيا يساور دول العالم أجمع.


ووقع البلدان، اللذان يملكان حوالي 90 في المئة من الأسلحة النووية في العالم، على المعاهدة عام 2010 ودخلت حيز النفاذ عام 2011 بهدف السيطرة على التسلح النووي والحد من انتشاره، قبل تمديد العمل بمضمونها في الخامس من فبراير عام 2021 لمدة خمس سنوات لا تتضمن تمديدا جديدا لها، ما يعني توقف العمل بها نهاية أكثر من نصف قرن من القيود على الأسلحة النووية الاستراتيجية لكلا الجانبين.


على صعيد المواقف في الساعات الأخيرة، أعربت روسيا عشية انتهاء العمل بالمعاهدة عن انفتاحها على إجراء محادثات أمنية لكنها ستواجه بحزم أي تهديدات جديدة، فيما كشفت خارجيتها عن عدم رد واشنطن على اقتراح الرئيس فلاديمير بوتين بمواصلة الالتزام بقيود الصواريخ ‍والرؤوس الحربية لمدة 12 شهرا أخرى، مشيرة إلى تجاهل الولايات المتحدة أفكار موسكو نحو المعاهدة عمدا وبشكل أساسي، واصفة نهجها بـ “الخاطئ” و”المؤسف”.


وإذ يبدو البيان الروسي انتقادا واضحا لموقف الولايات المتحدة بالقول إن موسكو “لا تزال مستعدة لاتخاذ تدابير عسكرية وتقنية مضادة حاسمة للتخفيف من التهديدات الإضافية المحتملة للأمن القومي”، لكنها انتهجت الحذر في بيانها مراعاة للوقائع والتحولات الجيوسياسية ومواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجديدة.


ويحضر هنا الموقف الروسي في فبراير 2023 عندما قررت موسكو تعليق مشاركتها في المعاهدة على خلفية اتهامها لواشنطن بعرقلة عمليات التفتيش المقررة في إطار المعاهدة التي جرى تعليقها في سياق الحرب بين روسيا وأوكرانيا.


على الجانب الموازي، التزمت واشنطن الصمت حتى الآن، ولم تعلن نياتها من تجديد المعاهدة حتى اللحظة، حيث قال وزير خارجيتها ماركو روبيو “إنه ليس لديه إعلان في الوقت الراهن، لكن الرئيس دونالد ترامب سيتحدث لاحقا في هذا الشأن”، مشيرا إلى رغبة بلاده في إشراك الصين في أي مناقشات، “غير أنه من المستحيل القيام بشيء لا يشمل الصين، بسبب مخزونها الواسع والمتزايد بسرعة”.


وسبق لترامب أن أعرب عن رغبته في أن تكون الصين جزء من عملية الحد من التسلح النووي في أي معاهدة جديدة، متسائلا عن سبب قيام الولايات المتحدة وروسيا بصنع أسلحة نووية جديدة، في حين أن لديهما ما يكفي لتدمير العالم عدة مرات، ليخرج البيت الأبيض هذا الأسبوع ببيان تحدث فيه عن أن ترامب سيقرر الخطوات التالية بشأن الحد من الأسلحة ‌النووية، وهو ما ‌سيوضحه وفقا لجدوله الزمني الخاص.


ولم تقف الصين بموقف الحياد تجاه هذه الترقب الدولي الحذر، واستبقت الموقف الروسي، فوصفت توقف المعاهدة بالأمر المؤسف، وحثت الولايات المتحدة على الاستجابة بشكل إيجابي لعرض روسيا بالحفاظ على حدود الرؤوس الحربية النووية، لكنها أحجمت عن الاستجابة لدعوات الرئيس ترامب بانضمام بكين إلى مفاوضات نزع السلاح النووي الثلاثية مع واشنطن وموسكو، مشيرة في قرار رفضها إلى التباين الكبير في حجم مخزونات الأسلحة النووية بينها وبين أمريكا.


وذكرت الخارجية الصينية أن بكين أخذت بعين الاعتبار الاقتراحات البناءة التي قدمتها موسكو سابقا بشأن ترتيبات المتابعة لمعاهدة “نيو ستارت”، معربة عن أملها أن تستجيب واشنطن بشكل إيجابي لحماية الاستقرار الاستراتيجي العالمي بشكل حقيقي.


كما أبدت بكين نظرتها نحو المفاوضات الثلاثية بوضوح، مبينة أنه لا يمكن مقارنة قدراتها النووية مع واشنطن، وأنه ليس من العدل ولا من المعقول مطالبتها بالانضمام إلى مفاوضات نزع السلاح النووي في هذه المرحلة، وهذا ما دعمته موسكو التي سبق وأن أعلنت على لسان دميتري بيسكوف المتحدث باسم /الكرملين/، احترامها للموقف الصيني المعارض للانضمام لمعاهدة “نيو ستارت”، حيث علق بالقول “إن قدراتهم النووية (الصين) لا تقارن حاليا بقدرات روسيا أوالولايات المتحدة”.


ولا تقف ردود الفعل الدولية عند الأطراف الثلاثة المهيمنة نوويا، فقد حض أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة الولايات المتحدة وروسيا على الإسراع بتوقيع اتفاق جديد للحد من الأسلحة النووية، قائلا إنها “لحظة عصيبة على السلام والأمن الدوليين، خاصة أنه للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، نواجه عالما بلا أي قيود ملزمة على الترسانات النووية الاستراتيجية للاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأمريكية”.

وسبق أن وقع الرئيسان السابقان الروسي دميتري ميدفيديف والأمريكي باراك أوباما على المعاهدة في العاصمة التشيكية براغ، وحلت محل معاهدة الأسلحة الهجومية الاستراتيجية لعام 1991 ومعاهدة خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية لعام 2002، حيث كانت روسيا تمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم بـ 5459 رأسا نوويا، والولايات المتحدة 5177 رأسا نوويا قبل التخفيض الأخير، وفقا لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري).


وتعد معاهدة خفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية “نيو ستارت” الأخيرة ضمن سلسلة اتفاقات بدأت في سبعينيات القرن الماضي، وخفضت حجم الترسانة النووية في كل من الاتحاد السوفييتي ووريثته روسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى من نحو 63 ألف رأس لديهما إلى نحو 3100 رأس نووي حاليا.


ويقول خبراء في التسلح النووي إن انتهاء المعاهدة ينذر ببدء سباق تسلح جديد سيتفاقم بسبب التوسع النووي السريع للصين، وستصبح روسيا والولايات المتحدة بلا قيود تحد من زيادة عدد الصواريخ ونشر مئات من الرؤوس الحربية الاستراتيجية الجديدة، على الرغم من أن ذلك يواجه تحديات لوجستية وسيستغرق وقتا.


وقال مات كوردا مساعد مدير مشروع المعلومات النووية التابع لاتحاد العلماء الأمريكيين إنه “إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لتمديد الأحكام الرئيسية للمعاهدة، فسيكون لكل طرف الحرية في تحميل مئات الرؤوس الحربية الإضافية على صواريخه وقاذفاته الثقيلة، مما سيضاعف تقريبا حجم ترساناته الحالية في السيناريو الأقصى”. وتابع كوردا أن انتهاء أجل معاهدة “نيو ستارت” لا يعني بالضرورة سباق تسلح بالنظر إلى تكلفة الأسلحة النووية.


يذكر أن معاهدة “نيو ستارت” تنص على تخفيض كل طرف أسلحته الهجومية الاستراتيجية، بطريقة لا تتجاوز كمياتها الإجمالية بعد سبع سنوات من دخولها حيز النفاذ الـ 700 رأس للصواريخ البالستية العابرة للقارات، والصواريخ البالستية للغواصات والقاذفات الثقيلة، و1550 رأسا حربيا عليها، و800 وحدة للقاذفات.


وتشكل معاهدة “نيو ستارت” حجر الأساس في اتفاقات التوازن الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا، وهي آخر اتفاق تمكن الجانبان من الاتفاق على تمديده بعد انسحابهما في 2019 من معاهدة الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى، وانسحاب واشنطن من اتفاق “السماء المفتوحة” للمراقبة.


ويشمل نطاق المعاهدة الصواريخ البالستية العابرة للقارات، والصواريخ البالستية التي تطلق من الغواصات، والقاذفات الثقيلة، والرؤوس الحربية المصنفة ضمن هذه الأسلحة، بالإضافة إلى منصات إطلاق الصواريخ البالستية العابرة للقارات والصواريخ البالستية التي تطلق من الغواصات.


وبمقتضى المعاهدة، يحق لكل طرف أن يقرر بشكل مستقل تكوين أسلحته الهجومية الاستراتيجية ضمن الحدود الإجمالية التي حددتها المعاهدة، ويمكنه زيادة عددها في إطار الوثيقة. وتضم المعاهدة حظرا على نشر أسلحة هجومية استراتيجية خارج أراضي البلدين.


وفي تقييمه السنوي عام 2024 لحالة التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي، خلص معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) إلى أن الترسانات النووية يجري تعزيزها في جميع أنحاء العالم، وأن عدد الأسلحة النووية وأنواعها قيد التطوير قد زاد مع تعميق الدول لاعتمادها على الردع النووي.


وأشار التقييم إلى أن الشفافية انخفضت فيما يتعلق بالقوات النووية في روسيا والولايات المتحدة عام 2023 في أعقاب الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، وازدادت أهمية المناقشات حول ترتيبات التقاسم النووي. وعزز هذه الآراء، ما قامت به روسيا من تحديث لمعظم مكونات صواريخها القادرة على حمل رؤوس نووية مثل “بوريفيستنيك”، و”أوريشنيك” و”بوسيدون” في الأشهر الأخيرة.


وفي فبراير 2018 أعلن ترامب عزمه على الانسحاب من معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى بعد ستة أشهر، معتبرا أن “ستارت 3” كانت أكثر فائدة لموسكو من واشنطن، ووصفها بأنها “صفقة أحادية الجانب”، وأصرت إدارته على تطوير معاهدة جديدة بمشاركة الصين أوعلى تمديد الاتفاقية، ولكن بشروط إضافية.


وفي الخامس من فبراير 2018، أكدت كل من روسيا والولايات المتحدة في بيانين منفصلين تنفيذ التزاماتهما، حسب ما نصت عليه اتفاقية “ستارت 3″ أو”نيو ستارت” لخفض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، لكن وزارة الخارجية الروسية شككت في تنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها، لافتة إلى أن آليات تنفيذ الجانب الأمريكي يجعلها غير قادرة على تأكيد التزام واشنطن ببنود المعاهدة، فيما دعت الولايات المتحدة الجانب الروسي إلى الالتزام ببنود الاتفاقية.


 

مساحة إعلانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى