
في عالم الأندية الجماهيرية لا يكون كرسي الرئاسة مجرد مقعد إداري، بل منصة اختبار حقيقية للشخصية والقدرة على القيادة تحت ضغط لا يهدأ، فكل قرار يتخذ وكل تعاقد يبرم وكل تصريح يقال يقابل بعدسة مكبرة من جماهير لا ترضى إلا بالقمة، وبين طموحات المشجعين وضغوط الإعلام وتحديات الواقع المالي والفني، يقف رئيس النادي في قلب العاصفة، إما أن يقود السفينة بثبات نحو منصات التتويج، أو تتقاذفه أمواج الانتقاد والغضب، ومن هنا تبرز أهمية دور رؤساء الأندية في صناعة النجاح أو تحمّل تبعات الإخفاق.
وعن دور رئيس النادي ونظرة الجماهير له،يقول الخبير المهتم بالتاريخ الرياضي محمد اليوسف لـ«عكاظ»: «إن تحميل رؤساء الأندية مسؤولية تراجع مستوى الأندية الجماهيرية وما يصاحبه من غضب جماهيري متصاعد، بات مشهداً متكرراً في الوسط الرياضي، فالجماهير بطبيعتها تبحث عن طرف واضح تحمّله أسباب الإخفاقات، وغالباً ما يكون رئيس النادي في الواجهة، فالأندية ذات القاعدة الشعبية العريضة تعيش تحت ضغط دائم، لأن طموحات جماهيرها لا تتوقف عند حدود المشاركة، بل تتجاوزها إلى المنافسة الدائمة على البطولات، وأي تراجع فني أو إداري يفسر على أنه خلل في القيادة العليا».
وأوضح أن الصراع من أجل كراسي الأندية يطرح تساؤلات مشروعة، هل الهدف هو خدمة الكيان أم نيل الشهرة والأضواء؟ وبالتالي فإن العمل في رئاسة الأندية ليس منصباً تشريفياً ولا بوابة للظهور الإعلامي، بل مسؤولية ثقيلة تتطلب تضحية بالوقت والجهد والمال أحياناً، وبعض التجارب أثبتت أن غلبة الطموح الشخصي على المصلحة العامة تقود إلى قرارات متسرّعة، وصراعات داخلية، وانقسامات تؤثر بشكل مباشر على استقرار الفريق.
معايير واضحة
وبيَّن اليوسف أن هناك معايير واضحة تجعل رؤساء الأندية قريبين من قلوب الجماهير، وفي مقدمتها الصدق والشفافية في الطرح، والقدرة على التواصل الفعال، والعمل المؤسسي المنظم، كما أن الرؤساء الذين حققوا بطولات وإنجازات ملموسة حفروا أسماءهم في ذاكرة المشجعين؛ لأن الجماهير تقيس النجاح بلغة النتائج، فالبطولات ليست مجرد كؤوس تزين الخزائن، بل رمز لمرحلة إدارية ناجحة استطاعت الجمع بين التخطيط السليم والدعم الفني والاستقرار المالي.
وأشار إلى أن غياب الخبرة ومقومات القيادة وضعف الشخصية من العوامل التي تزيد من حدة المشكلات داخل منظومة النادي، فالرئيس الذي يفتقر إلى الحزم أو الرؤية الإستراتيجية يجد نفسه أسيراً للضغوط، سواء من الإعلام أو الجماهير أو حتى من داخل مجلس الإدارة، وهذا التردد ينعكس على قرارات التعاقدات وإدارة الأزمات والتعامل مع اللاعبين والأجهزة الفنية، ما يخلق بيئة متوترة تفتقر إلى الاستقرار.
النتائج معيار النجاح
وأكد اليوسف أن النتائج الإيجابية والإنجازات تبقى المعيار الحقيقي لنجاح رؤساء الأندية؛ لأنها تعكس جودة العمل الإداري من القاعدة إلى القمة، فالفريق الذي ينافس بثبات ويظهر بروح قتالية ويملك هوية واضحة داخل الملعب، غالباً ما يقف خلفه عمل إداري منظم ودعم مدروس، أما كثرة التغييرات في الأجهزة الفنية، وتراكم الإخفاقات، فهي مؤشرات على خلل إداري يحتاج إلى مراجعة شاملة.
وفي ما يتعلق بالجانب المالي داخل الأندية، قال اليوسف: «إن دور رئيس النادي لا يقتصر على متابعة النتائج، بل يمتد إلى معالجة ديون النادي ومطالب اللاعبين، وتأمين موارد مالية مستدامة، فالتأخر في صرف المستحقات ينعكس سلباً على الروح المعنوية، ويؤثر في أداء الفريق، والرئيس الناجح هو من يوازن بين الطموح الرياضي والقدرة المالية، ويعمل على بناء شراكات استثمارية تضمن استقرار النادي على المدى الطويل».
وختم اليوسف حديثه بالتأكيد على أن رئاسة الأندية تكليف قبل أن تكون تشريفاً، وأن الجماهير قد تغضب وتنتقد، لكنها في النهاية تنحاز لمن يعمل بصدق ويحقق الإنجاز، فالكرسي لا يصنع قيمة للرئيس، بل القيمة الحقيقية تصنع بالعمل الجاد والقرارات الحكيمة والقدرة على قيادة الكيان نحو منصات التتويج بثبات واستدامة.




